عبد اللطيف البغدادي
15
الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر
وأما النخل فكثير ، لكن إذا قيست ثمرته بثمرة نخل العراق وجدت كأنها قد طبخت طبخة ، خرج بها معظم حلاوتها وبقيت ناقصة القوة ، وممّا يسمّيه أهل العراق القسب يسمّيه أهل مصر التمر ، وأما التمر بالعراق فيسمونه العجوة وقلّما تجد عندهم ما يشابه تمر العراق إلّا نادرا ويكون ذلك نخيلا معدودة تهدى تحفة . وأما الماش هو المج ، فلا يزرع بمصر أصلا وإنّما يوجد عند العطارين مجلوبا من الشام ويباع بالأواقي للمَرضى ، وأما الذرة والدّخن فلا يعرفان بمصر اللهمّ إلّا بالصعيد الأعلى وخاصة الدّخن ، ومما تختص به مصر الأفيون وهو يجتني من الخشخاش الأسود بالصعيد وكثيرا ما يغشه جُناته ، وربما غشّوه بالعذرة وعلامة الخالصِ منه أن يذوب في الشمس ويقِدَ في السراج بلا ظلمة ، وإذا طفي تكون رائحته قوية والمغشوش يسوس سريعا ، وأرسطو ينهى عن خلطه بدواء العين والأذن لأنّه يعمي ويصمّ . ومن ذلك الأقاقيا ، وهو عصارة ورق شجر القرظ وثمره يُستخرج ماؤه بالدقِّ والعصر ، ويُجعل في أوانٍ مرحرحةٍ تلقاء الشمس حتى يغلُظ ثم يقرص ، هذا هو الخالص الخاص ، وأمّّا العام يُجلب إلى البلاد ، فإنه يؤخذ القرظ فيطحن ويُعجن بماء الصمغ ثم يقبض ويختم ويجفَّف ، وشجرته هي السنط وتسمَّّى الشوكة المصرية ، وورقها هو القرظ بالحقيقة ويُدبغ به الجلود ، وعصارةُ القرظ التي يتّخذ منها الأقاقيا تسمّى ربّ القرظ ونساء مصر يشربن عصارته ونقيعه للإسهال . والسنط شجرٌ عِظام جداً ، له شوكٌ كثيرٌ حديدٌ صلب أبيض ، وله ثمرٌ يُسمّى خروب القرظ مدور مسطوح مُشاكلٌ لحبّ الترمس ، إلّا أنه متّصل كقرون اللوبيا وفي داخله حبٌّ صغار ، وإذا اتخذ الأقاقيا من القرظ قبل كمال نضجه كان أكثر قبضا وأقوى على حبس الطبيعة ، وإذا اتّخذ ممّا استحكم نضجه ، لم يقوَ على حبس البطن ، وعلامته أن يكون شديد السواد مُشرق اللون ، وقال الدينوري : القرظ شجر عظام كشجر الجوز وخشبه صلبٌ كالحديد وإذا قدم اسودَّ كالأبنوس ، وورقه يشبه ورق التفاح ، وله حبلة مثل قرن اللوبيا داخلها حبٌّ يوضع في الموازين ، ويُدبغ بورقه وثمره ، ومنابته القيعان والجبال وحبلة القرظ أصغر من علف الطلح ، وإذا رعته الإبل احمرت أفواهها وأدبارها حتى أبعارها ، فتحسبها عصفرا قد جمع وتسمن عليه ، وما كان من القرظ